دار الشفاء

لقد كانت مكة المكرمة في أوائل القرن الرابع عشر محرومة من العناية الصحية ولم يكن التداوي يعرف بين الأهليين إلا بالطرق القديمة ، فقد كان أفراد من أهل الهند يمارسون بمكة مهنة الطب فيعالجون المرضى بالعقاقير النباتية البسيطة ، كما وجد نفر من البدو يعالج الماء الأبيض بعملية جراحية بسيطة ، ويعرف هذا النوع من الطب بالطب العربي أو الشعبي .
وكان بمكة مستشفى واحد قامت بتأسيسه إحدى كريمات السلاطين العثمانيين ، وكان يديره طبيب واحد وصيدلي واحد ومعاون لتضميد بعض الجارحات الخفيفة ، ولكن العناية في هذا المستشفى غير وافية ، لها كان كثيرا ما تقع الأمراض والوبائية ويموت من جرائها خلق من الحجيج والأهالي ، فلم تكن وسائل الاحتياطات والوقاية معروفة حينئذ .
أما الطب اليوناني الذي كان منتشرا في أكثر البلدان ، والذي يسمى بالحكمة ومتعاطية يسمى بالحكيم اليوناني ، لم تكن مكة تعرف هذا النوع من الطب إلا عن طريق الأطباء الذين يفدون إليها من مختلف الأقطار الإسلامية ، والذين كان عددهم بمكة آنذاك قليلا جدا ، ومع هذا فقد قاموا بجهد طيب في علاج المرض ، وتقديم العناية الصحية لأبناء البلد الحرام وساكنيه وحجاج بيت الله وعماره ، حيث كان الأهالي يعتمدون على أمثال هؤلاء الأطباء المقيمين بمكة في علاجهم ويستفيدون منهم أكثر من غيرهم .
وفي عام 1364هـ أحدث الشيخ محمد سليم رحمت الله مدير المدرسة الصولتية وحدة صحية متكاملة باسم ’دار الشفاء ‘ في إحدى غرف المدرسة لخدمة طلابها وأساتذتها وسكان مكة المكرمة والحجاج والمعتمرين ، وكان بمثابة ما يسمى بالإسعاف المدرسي أو الوحدة الصحية وتلك بادرة لم تسبق في مدارس مكة .
وقد عين الشيخ محمد سليم لدار الشفاء اثنان من الأطباء الأكفاء وهما شقيقه الدكتور محمد نعيم رحمت الله أحد خريجي المدرسة القدامى ، وزوج شقيقته الدكتور محمد أمين بن محمد يونس ، وقد تعلم كم منهما الطب اليوناني في جامعات الهند ونالا الشهادات والإجازات في ذلك العلم ، وكانت لهما الخبرة العلمية السابقة في هذا المجال في الهند وفي مكة المكرمة على نطاق شخص ومعروف وكان لدى كثير في مكة المكرمة ، وقد حصل كل منهما على رخصة لمزاولة الطب العربي اليوناني من قبل إدارة الصحة العامة ، وذلك بناء على صدور الأوامر الملكية الكريمة لإدارة الصحة برقم 18/6/93 وبتاريخ 19/2/1366هـ بالتصريح لهما بمزاولة مهنة الطب بالعقاقير المستعملة في الطب العربي والهمبوباتيكي فقط ، على شرط أن لا تستعمل الأدوية الطبية الحديثة ، وأن لا تستعمل الحقن بأي صورة كانت ، ولا تجرى عمليات جراحية ، ومحظور عليهما استعمال الأدوات الجراحية حسب التعليمات والنظم المعهودة .
وفي 26/4/1366هـ اجتمعت هيئة ’دار شفاء الصولتية الطبي‘ وقررت تأسيس مجلس طبي باسم ( اللجنة الطبية ) وتم الاتفاق على ما يلي :

1)_ أن يكون رئيس اللجنة هو مدير المدرسة بصفة دائمة بإجماع اللجنة .
2)_ يعين الدكتور حكيم محمد نعيم رحمت الله سكرتيرا للجنة .
3)_ تتكون اللجنة من أربعة أعضاء أسماؤهم كالتالي :
أ) الشيخ محمد سليم رحمت الله مديرا للمدرسة .
ب) الشيخ زين العابدين طبيبا .
ج) الحكيم محمد ياسين طبيبا .
د) الحكيم محمد نعيم طبيبا وسكرتيراً .
وقد تم أيضا في الاجتماع الاتفاق على عدد من الأهداف والأغراض :

1) عمل مبنى خاص ومستقل لدار الشفاء .
2) توسع وتقوية العمل الخيري بواسطة الطب القديم والجديد .
3) العناية الطبية لطلاب المدرسة وملاحظتهم والعناية بهم طبيا حسب الطرق المعلومة صحيا .
4) توزيع النشرات الطبية .

5) يكون العمل في موسم الحج بصفة دائمة ومستمرة وتكون الخدمة مستمرة لخدمة الحجاج والزائرين بدون تخصيص وتقديم الوسائل الطبية لهم محتسبين أجر ذلك عند الله .
6) توضيح البنود اللازمة للطب القديم والجديد يخدم مجال التعليم الطبي .
7) توسيع مجال البحث عن العقاقير الطبية الموجودة في البلاد والحصول عليها وطريقة استعمالها .
8) الرعاية والعناية الأولوية للفقراء والغرباء .
9) تعقد اللجنة اجتماعين بتاريخ 14و28 من كل شهر.

ويقول ماجد سعيد رحمت الله : أن الدار قد اشتهرت شهرة فائقة فكان الرجال والنساء يستفيدون من خدماتها حتى أن علية القوم وسراة الناس وأشرافهم يقصدونها للعلاج وكان العلاج بها مجانا لجميع الأجناس .
ويضيف قائلا : أما الأدوية والعقاقير والمعاجين والحبوب والسقوف وأنواع الشراب التي تستخدم في علاج المرضى فكانت ترد إلى دار الشفاء من الهند ، وأن الدار قد زودت بسجل للمرضى يشتمل على اسم المريض ، ومحل إقامته وجنسيته وعمره ونوع المرض المصاب به ونوع العلاج المعطى له ، كما كان يصرف لكل مريض وصفة طبية مبين فيها العلاج وعليها توقيع الطبيب .
كما توجد علب وأكياس خصصت لوضع العلاج فيها وإعطائه للمريض ، وقد زودت الدار أيضا بصندوق للبريد ترد عليه المراسلات وإعلانات الأدوية ، كما كان للدار تلفونا خاصا يؤدي الخدمات للمرضى ومتعاطي العلاجات ، وأخيرا أضيف إلى الدار طبيب ثالث وهو : الدكتور زين العابدين بن الندوي وهو والد الدكتور رئيس العابدين الذي له عيادة خاصة الآن في مكة المكرمة ، وقد استمرت هذه الدار فترة طويلة في خدماتها ونشاطاتها حتى أغلقت بسبب ضعف الإمكانيات المادية ومجاراة الزمن وتقدم وسائل الطب وانتشار المستشفيات الحكومية في جميع أنحاء المملكة .
ولم تكن دار الشفاء مجر وحدة صحية لصرف العلاج والكشف على المرضى ، بل كانت مقراً لتعليم مبادئ الطب اليوناني للراغبين من طلبة المدرسة .
وقال الأستاذ محمد يوسف بخش : لقد كنت أحد الطلاب الذين كانوا يتعلمون مبادئ الطب اليوناني في دار الشفاء حيث كان أطباء تلك الدار يقومون بتعريف الطلاب على أنواع الأعشاب التي كانت ترد من الهند ، فتصنع منها الأدوية والتي كان أطباء الدار يقومون بتركيبها حسب ما هو موجود في كتب الطب اليوناني ، ويدرسون الطلاب على عملية تركيب الأدوية ، وكتابة اسم لكل دواء ، ثم وضعها في صناديق مخصصة حيث كان الطبيب يقوم بالكشف على المريض ثم يكتب العلاج له في وصفة طبية خصصت لذلك ، فيصرف الطالب العلاج للمريض حسب ما كتب له ، فكان الطالب عبارة عن ’صيدلي‘ .

 
موقع المدرسة الصولتية